فصل: الحديث الأول:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير



.الحديث الثَّانِي عشر:

أَنه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي الذَّهَب وَالْحَرِير: «هَذَانِ حرامان عَلَى ذُكُور أمتِي».
هَذَا الحَدِيث مَشْهُور، وَله طرق:
أَحدهَا: عَن سعيد بن أبي هِنْد، عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ رَضِي اللهُ عَنْهُ أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «حُرِّم لِبَاس الذَّهَب وَالْحَرِير عَلَى ذُكُور أمتِي، وَأحل لإِناثهم».
رَوَاهُ أَحْمد، وَالتِّرْمِذِيّ، وَهَذَا لَفظه، وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح، وَلَفظ أَحْمد: «أحل الذَّهَب وَالْحَرِير للإِناث من أمتِي، وَحرم عَلَى ذكورها».
وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَلَفظه: «إنَّ الله- تَعَالَى- أَحَلَّ لإِنَاثِ أمتِي الْحَرِير وَالذَّهَب، وحَرَّمه عَلَى ذكورها».
وَالطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه، وَلَفظه: «أُحِلَّ الذَّهَب وَالْحَرِير لإِناث أمتِي، وحُرِّم عَلَى ذكورها». وَله أَلْفَاظ أخر بِنَحْوِ هَذَا.
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله، وَهَذَا لَفظه: «أحل الذَّهَب وَالْحَرِير لإِناث أمتِي»، ثمَّ قَالَ: هَذَا يرويهِ عبد الله بن سعيد بن أبي هِنْد، عَن أَبِيه، وَيَرْوِيه نَافِع مولَى ابْن عمر، عَن سعيد بن أبي هِنْد، وَاخْتلف عَن نَافِع: فَرَوَاهُ أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ، وَعبيد الله بن عمر، عَن نَافِع، عَن سعيد بن أبي هِنْد، عَن أبي مُوسَى.
وَرَوَاهُ سُوَيْد بن عبد الْعَزِيز، عَن عبيد الله، عَن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري، عَن أبي مُوسَى. وَوَهِمَ فِي موضِعين: فِي قَوْله:
سعيد المَقْبُري، وَإِنَّمَا هُوَ سعيد بن أبي هِنْد. وَفِي تَركه نَافِعًا فِي الإِسناد.
وَرَوَاهُ عبد الله بن عمر الْعمريّ، عَن نَافِع، عَن سعيد بن أبي هِنْد، عَن رجل، عَن أبي مُوسَى. وَهُوَ أشبه بِالصَّوَابِ؛ لِأَن سعيد بن أبي هِنْد لم يسمع من أبي مُوسَى شَيْئا، وَقَالَ أُسَامَة بن زيد: عَن سعيد بن أبي هِنْد، عَن أبي مرّة- مولَى عقيل- عَن أبي مُوسَى، فِي حَدِيث «النَّهْي عَن اللّعب بالنرد»، وَهُوَ الصَّحِيح. قَالَ: وهَذَا يُقَوي قَول الْعمريّ: عَن نَافِع، عَن سعيد بن أبي هِنْد، عَن رجل.
وَقَالَ الْحَافِظ عبد الْحق: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ جماعات، عَن عبيد الله بن عمر، عَن نَافِع، عَن سعيد بن أبي هِنْد، عَن أبي مُوسَى مَرْفُوعا. وَرَوَاهُ من لَا يحْتَج بِهِ، عَن عبد الله، عَن نَافِع، عَن سعيد، عَن رجل من أهل الْعرَاق، عَن أبي مُوسَى.
وَذكره عبد الرَّزَّاق، عَن معمر، عَن أَيُّوب، عَن نَافِع، عَن سعيد، عَن رجل، عَن أبي مُوسَى. واختُلف فِيهِ عَلَى أَيُّوب. ثمَّ ذكر قولة الدَّارَقُطْنِيّ المتقدِّمة: أنَّ سعيد بن أبي هِنْد لم يسمع من أبي مُوسَى.
وَقد أخرجه التِّرْمِذِيّ، وَالنَّسَائِيّ من هَذِه الطَّرِيق- أَعنِي طَرِيق: عبيد الله بن عمر، عَن نَافِع، عَن سعيد بن أبي هِنْد، عَن أبي مُوسَى- مَرْفُوعا. وَقد صحَّحه التِّرْمِذِيّ، فَالظَّاهِر سَماع سعيد مِنْهُ.
لَكِن قد قَالَ كمقالة الدَّارَقُطْنِيّ: أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ، فَقَالَ: سعيد بن أبي هِنْد لم يَلْقَ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ.
وَقَالَ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه: حَدِيث سعيد بن أبي هِنْد عَن أبي مُوسَى فِي هَذَا الْبَاب مَعْلُول لَا يَصح. وَلَعَلَّه يُشِير إِلَى مَا ذَكرْنَاهُ عَن الدَّارَقُطْنِيّ وَأبي حَاتِم، بل لَا شكّ فِي ذَلِك.
لكنه أخرج فِي صَحِيحه حَدِيث: «من لعب بالنرد، فقد عَصَى الله وَرَسُوله»، وَهُوَ من رِوَايَة سعيد عَن أبي مُوسَى.
الطَّرِيق الثَّانِي: وَهُوَ أشهرها، عَن عَلّي بن أبي طَالب- كَرَّم الله وَجهه-: «أنَّ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أَخذ حَرِيرًا فَجعله فِي يَمِينه، وَأخذ ذَهَبا فَجعله فِي شِمَاله، ثمَّ قَالَ: إنَّ هذَيْن حرَام عَلَى ذُكُور أمتِي».
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيّ، وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمْ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه. وَلابْن مَاجَه زِيَادَة فِيهِ، وَهِي: «حل لإناثهم».
وَرَوَاهُ أَحْمد بِلَفْظ: «أَخذ حَرِيرًا فَجعله فِي يَمِينه، وَأخذ ذَهَبا فَجعله فِي شِمَاله، ثمَّ قَالَ: إنَّ هذَيْن حرامٌ عَلَى ذُكُور أمتِي».
قَالَ عبد الْحق فِي الْأَحْكَام: قَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: حَدِيث حسن، وَرِجَاله معروفون.
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمام: هَذَا حَدِيث مُخْتَلَف فِي إِسْنَاده، يرجع إِلَى يزِيد بن أبي حبيب، فَقيل: عَنهُ عَن أبي أَفْلح الْهَمدَانِي، عَن عبد الله بن زُرَيْر، عَن عَلّي. هَذِه رِوَايَة لَيْث عِنْد أبي دَاوُد. وَقيل فِيهِ: عَن يزِيد، عَن عبد الْعَزِيز بن أبي الصعبة، عَن أبي أَفْلح. وَهَذِه رِوَايَة ابْن إِسْحَاق عِنْد ابْن مَاجَه.
قُلْتُ: وَرِوَايَة اللَّيْث بن سعد، وَعبد الحميد بن جَعْفَر. كَمَا قَالَه الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله.
قَالَ الشَّيْخ: وَقيل: عَن ابْن الصعبة- وَلم يسم- عَن رجل من هَمدَان، يُقَال لَهُ: أَفْلح. هَذِه رِوَايَة ابْن الْمُبَارك، عَن اللَّيْث، عَن يزِيد.
قُلْتُ: وَرِوَايَة حجاج، عَن اللَّيْث أَيْضا، كَمَا أخرجه أَحْمد فِي الْمسند.
وَقيل: عَن يزِيد بن أبي حبيب، عَن عبد الله بن زرير. أسقط من الإِسناد رجلَيْنِ: ابْن أبي الصعبة، وَأَبا أَفْلح. قَالَه الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله. قَالَ: وَقَالَ ابْن عُيَيْنَة: عَن ابْن إِسْحَاق، عَن يزِيد بن أبي حبيب، عَن رجل، عَن آخر- لم يسمهما- عَن عَلّي.
قَالَ: وَقيل: عَن ابْن إِسْحَاق، عَن سعيد بن أبي هِنْد، عَن عبد الله بن شَدَّاد، عَن عبد الله بن مرّة، عَن عَلّي. رَوَاهُ عَن ابْن إِسْحَاق عمر بن حبيب. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وَهِمَ فِي الإِسناد عمر هَذَا، وَكَانَ سيِّئ الْحِفْظ. انْتَهَى.
وَقيل: عَن ابْن أبي الصعبة، عَن أبي عَلّي الْهَمدَانِي، عَن عبد الله بن زرير. وَهَذِه رِوَايَة النَّسَائِيّ فِي مُسْند عَلّي، أفادها الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي الْأَطْرَاف.
قَالَ النَّسَائِيّ: حَدِيث ابْن الْمُبَارك أولَى بِالصَّوَابِ، إلاَّ قَوْله: «أَفْلح»، فإنَّ «أَبَا أَفْلح» أولَى بِالصَّوَابِ.
وَقد علل هَذَا الحَدِيث بعلَّة أُخْرَى، وَهِي: جَهَالَة حَال أبي أَفْلح، بِالْفَاءِ، لَا بِالْقَافِ. ذكر ابْن القَطَّان ذَلِك، وَقَالَ: عبيد الله بن زرير مَجْهُول الْحَال أَيْضا.
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين: أما أَبُو أَفْلح فَلَا يبعد مَا قَالَ فِيهِ، وإنْ كَانَ قد ذكر عَن عَلّي بن الْمَدِينِيّ أَنه قَالَ فِي هَذَا الحَدِيث: حسن. وَأما عبد الله بن زرير: فقد ذكر أَن الْعجلِيّ، وَمُحَمّد بن سعد وَثقَّاه.
قَالَ الشَّيْخ: وَفِي الحَدِيث شَيْء آخر، وَهُوَ: أَن رِوَايَة من رَوَاهُ عَن يزِيد، عَن عبد الْعَزِيز بن أبي الصعبة، عَن أبي أَفْلح، إِذا عَملنَا بهَا، وسلكنا طريقهم، فِي أَن نحكم بأنَّ يزِيد لم يَسمع من أبي أَفْلح، تَصَدَّى لنا النّظر فِي حَال عبد الْعَزِيز أَيْضا.
قُلْتُ: حَالَته جَيِّدَة، رَوَى لَهُ النَّسَائِيّ، وَابْن مَاجَه، وَرَوَى عَن: أَبِيه، وَأبي عَلّي الْهَمدَانِي، وَعنهُ: يزِيد بن أبي حبيب، وَغَيره، وَذكره ابْن حبَان فِي ثقاته.
الطَّرِيق الثَّالِث: عَن نَافِع، عَن ابْن عمر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «أُحِلَّ الذَّهَب وَالْحَرِير لإِناث أمتِي، وحُرِّم عَلَى ذكورها».
ذكره الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله فِيمَا سُئِلَ عَنهُ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيث يرويهِ عبيد الله، وَاخْتلف عَنهُ: فَرَوَاهُ يَحْيَى بن سليم الطَّائِفِي، عَن عبد الله، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا. وَتَابعه بَقِيَّة بن الْوَلِيد، عَلَى مَعْنَى هَذَا القَوْل فِي الْحَرِير والْخَزّ، وَلم يذكر الذَّهَب، وَكِلَاهُمَا وهمٌ، وَالصَّحِيح: عَن عبد الله، عَن نَافِع، عَن سعيد بن أبي هِنْد، عَن أبي مُوسَى. وَسَعِيد لم يسمعهُ من أبي مُوسَى. وَرَوَى طلق بن حبيب، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عمر: سَمِعت من النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْحَرِير شَيْئا؟ قَالَ: لَا. وَهَذَا يدل عَلَى وهم يَحْيَى بن سليم، وَبَقِيَّة فِي حكايتهما عَن ابْن عمر، عَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم.
الطَّرِيق الرَّابِع: عَن عقبَة بن عَامر رَضِي اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الذَّهَب وَالْحَرِير: «إِن هذَيْن حرامٌ عَلَى ذُكُور أمتِي، حِلٌّ لإِناثها».
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ، وَغَيره، وَلَا أعلم بِسَنَدِهِ بَأْسا.
وَلِهَذَا الحَدِيث طَرِيق خَامِس: رَوَاهُ قيس بن أبي حَازِم، عَن عمر رَضِي اللهُ عَنْهُ قَالَ: «خرج علينا رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم وَفِي يَده صُرَّتان، إِحْدَاهمَا من ذهب، وَالْأُخْرَى من حَرِير، فَقَالَ: هَذَانِ حرَام عَلَى الذُّكُور من أمتِي، حَلَال لإِناثهم».
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أَصْغَر معاجمه، ثمَّ قَالَ: لم يَرْوِه عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد، إلاَّ عَمْرو بن جرير البَجلِيّ الْكُوفِي، تفرد بِهِ دَاوُد بن سُلَيْمَان.
وَرَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو بكر الْبَزَّار فِي مُسْنده، ثمَّ قَالَ: هَذَا الحَدِيث لَا نعلم رَوَاهُ عَن إِسْمَاعِيل، عَن قيس، عَن عمر، إلاَّ عَمْرو بن جرير، وَعَمْرو لَيِّن الحَدِيث، وَقد احتُمل حَدِيثه، وَرُوِيَ عَنهُ، وقد رُوِيَ هَذَا الْكَلَام عَن غير عمر. قَالَ: وَلَا نعلم فِيمَا يرْوَى فِي ذَلِك حَدِيثا ثَابتا عِنْد أهل النَّقْل.
وَله طَرِيق سادس- أَيْضا-: رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه، من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن رَافع، عَن عبد الله بن عَمْرو، قَالَ: «خرج إِلَيْنَا رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَفِي إِحْدَى يَدَيْهِ ثوب من حَرِير، وَفِي الْأُخْرَى ذهب، فَقَالَ: إنَّ هذَيْن محرم عَلَى ذُكُور أمتِي، حل لإِناثهم». ذكره فِي «اللبَاس» فِي سنَنه، وَفِي إِسْنَاده: الأفريقي، وَهُوَ عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد بن أَنْعُم، وَهُوَ ضَعِيف.
وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: رَأَيْت البُخَارِيّ يُقَوِّي أمره. وَيُقَال: هُوَ مقارب الحَدِيث.
وَله أَيْضا طَرِيق سَابِع: عَن زيد بن أَرقم، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «الذَّهَب وَالْحَرِير حَلَال لإناث أمتِي، حرَام عَلَى ذكورها».
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه، والعقيلي فِي تَارِيخه من حَدِيث: ثَابت بن زيد بن ثَابت بن زيد بن أَرقم، قَالَ: حدَّثتني عَمَّتي أُنيسة بنت زيد بن أَرقم، عَن أَبِيهَا زيد بن أَرقم بِهِ.
قَالَ أَحْمد: ثَابت هَذَا لَهُ مَنَاكِير. وَقَالَ ابْن حبَان: الْغَالِب عَلَى حَدِيثه الْوَهم، لَا يحْتَج بِهِ إِذا انْفَرد. قَالَ الْعقيلِيّ: هَذَا يرْوَى بِغَيْر هَذَا الإِسناد، بأسانيد صَالِحَة.
وَله أَيْضا طَرِيق ثامن: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه، عَن إِسْمَاعِيل بن قِيرَاط، نَا سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن، نَا مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن، قَالَ: حَدَّثتنِي أَسمَاء بنت وَاثِلَة، عَن أَبِيهَا، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول: «الذَّهَب وَالْحَرِير حل لإِناث أمتِي، حرَام عَلَى ذُكُور أمتِي».
وَهَذَا سَنَد لَا أعلم بِهِ بَأْسا، وَشَيخ الطَّبَرَانِيّ لَا أعرفهُ، وَسليمَان: ذكره ابْن حبَان فِي ثقاته، وَأَخُوهُ: وثَقَّه أَبُو زرْعَة، وَالنَّسَائِيّ. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: هُوَ من التَّابِعين، لَا يُسأل عَن مثله. وَأَسْمَاء: تابعية، لَا أعلم حَالهَا الْآن.
وَله أَيْضا طَرِيق تَاسِع: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه أَيْضا. عَن ابْن عَبَّاس: «أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، أخرج من يَده قِطْعَة من ذهب، وَقطعَة من حَرِير، فَقَالَ: إنَّ هذَيْن حرامان عَلَى ذُكُور أمتِي حلالان لإِناثهم».
وَفِي سَنَده: إِسْمَاعِيل بن مُسلم الْمَكِّيّ، وَهُوَ مُتَّفق عَلَى ضعفه. ثمَّ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث: مُحَمَّد بن الْفضل بن عَطِيَّة، عَن أَبِيه، عَن عَطاء، عَن ابْن عَبَّاس: «أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَبَضَ عَلَى الذَّهَب وَالْحَرِير، وَهُوَ يحرِّكه، وَيَقُول: هَذَا يحرم عَلَى الذُّكُور من أمتِي».
وَمُحَمّد هَذَا: مَتْرُوك بالِاتِّفَاقِ، بل قَالَ صَالح بن مُحَمَّد: كَانَ يضع الحَدِيث. ووالده الْفضل: وَثَّقه ابْن رَاهَوَيْه. وَقَالَ أَبُو زرْعَة: لَا بَأْس بِهِ، وضَعَّفه الفلاس، وَابْن عدي.

.الحديث الثَّالِث عشر:

رُوِيَ أَنه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «من شرب فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة، أَو إِنَاء فِيهِ شَيْء من ذَلِك، فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي جَوْفه نَار جَهَنَّم».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور: الْأُسْتَاذ أَبُو الْوَلِيد النَّيْسَابُورِي، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمَا؛ وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله، فِي كِتَابه عُلُوم الحَدِيث وَغَيرهم، من رِوَايَة: يَحْيَى بن مُحَمَّد الْجَارِي، ثَنَا زَكَرِيَّا بن إِبْرَاهِيم بن عبد الله بن مُطِيع، عَن أَبِيه، عَن عبد الله بن عمر مَرْفُوعا بِهِ سَوَاء.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وأخبرناه أَبُو عبد الله الْحَافِظ فِي فَوَائده، عَن الطوسي، والفاكهي مَعًا، فَزَاد فِي الإِسناد بعد أَبِيه: عَن جده، عَن ابْن عمر.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَأَظنهُ وهما، وَقد أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ، والفقيه أَبُو الْوَلِيد النَّيْسَابُورِي، بِدُونِ ذكر جده. قَالَ: وَالْمَشْهُور عَن ابْن عمر فِي المضبب مَوْقُوفا عَلَيْهِ.
ثمَّ أخرجه بِإِسْنَاد صَحِيح، عَن عبيد الله بن عمر، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر: «أَنه كَانَ لَا يشرب فِي قدح فِيهِ حَلقَة فضَّة، وَلَا ضبة فضَّة».
ثمَّ رُوِيَ من جِهَة خصيف، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر: أَنه أُتِيَ بقدح مضبب ليشْرب مِنْهُ، فَأَبَى أَن يشرب، فَسَأَلته، فَقَالَ: «إِن ابْن عمر، مُنْذُ سمع رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم نهَى عَن الشّرْب فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة، لم يشرب فِي الْقدح المفضض». انْتَهَى.
وخصيف هَذَا سكت عَنهُ الْبَيْهَقِيّ هُنَا، وَقَالَ فِي بَاب كَفَّارَة من أَتَى الْحَائِض: خصيف غير مُحْتَج بِهِ.
وَقد شهد للْحَدِيث الْمُتَقَدّم غير وَاحِد بضعفه، قَالَ أَبُو الْحسن بن القَطَّان: هَذَا حَدِيث لَا يصحّ، وزَكَرِيا، وَأَبوهُ لَا يعرف لَهما حَال.
قُلْتُ: والْجَارِي، قَالَ البُخَارِيّ: يَتَكَلَّمُونَ فِيهِ، وَوَثَّقَهُ الْعجلِيّ وَابْن حبَان، وَقَالَ: يغرب. وَقَالَ ابْن عدي: لَيْسَ بحَديثه بَأْس. وَقَالَ أَبُو عوَانَة الإِسفراييني فِي صَحِيحه فِي بَاب تَحْسِين الصَّوْت بِالْقُرْآنِ: نَا عَبَّاس الدوري، ثَنَا يَحْيَى الزِّمِّي، نَا يَحْيَى بن مُحَمَّد الْجَارِي بساحل الْمَدِينَة، ثِقَة.
وَقَالَ الْحَاكِم فِي كتاب عُلُوم الحَدِيث: لم تكْتب هَذِه اللَّفْظَة- وَهِي: «أَو إِنَاء فِيهِ شَيْء من ذَلِك»- إلاَّ بِهَذَا الإِسناد.
وَقَالَ السَّمْعَانِيّ فِي أَمَالِيهِ: هَذَا حَدِيث غَرِيب. وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح: هَذَا حَدِيث فِي إِسْنَاده نظر. وَقَالَ النَّوَوِيّ: ضَعِيف، وَقَالَ الشَّيْخ زكي الدَّين: الْأَشْهر رِوَايَة الْوَقْف عَلَى ابْن عمر. وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان: حَدِيث مُنكر.
قُلْتُ: وَأما الإِمام أَبُو الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ، فَقَالَ عقب تَخْرِيجه لَهُ: إِسْنَاده حسن.

.باب الْوضُوء:

ذكر فِيهِ- رَحِمَهُ اللَّهُ- من الْأَحَادِيث وَاحِدًا وَسِتِّينَ حَدِيثا:

.الحديث الأول:

أَنه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ اِمْرِئٍ مَا نَوَى».
وَفِي رِوَايَة: «وَلكُل امْرِئ مَا نَوى».
هَذَا الحَدِيث أحد أَرْكَان الإِسلام وقواعد الإِيمان. وَهُوَ صَحِيح جليل مُتَّفق عَلَى صِحَّته، مجمع عَلَى عظم موقعه وجلالته وثبوته من حَدِيث الإِمام أبي سعيد يَحْيَى بن سعيد بن قيس الْأنْصَارِيّ، رَوَاهُ عَنهُ حفاظ الإِسلام وأعلام الْأَئِمَّة: إِمَام دَار الْهِجْرَة، أَبُو عبد الله مَالك بن أنس، وَشعْبَة بن الْحجَّاج، والحمادان: حَمَّاد بن زيد وَحَمَّاد بن سَلمَة، والسفيانان: سُفْيَان الثَّوْريّ وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَاللَّيْث بن سعد، وَيَحْيَى بن سعيد الْقطَّان، وَعبد الله بن الْمُبَارك، وَيزِيد بن هَارُون، وَأَبُو عمر حَفْص بن غياث، وَأَبُو خَالِد الْأَحْمَر، وَعبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ، وخلائق لَا يُحصونَ كَثِيرَة.
قَالَ أَبُو سعيد مُحَمَّد بن عَلّي الخشاب الْحَافِظ: رَوَى هَذَا الحَدِيث عَن يَحْيَى بن سعيد نَحْو من مِائَتَيْنِ وَخمسين رجلا.
وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ: سَمِعت الْحَافِظ أَبَا مَسْعُود عبد الْجَلِيل بن أَحْمد يَقُول فِي المذاكرة: قَالَ الإِمام عبد الله الْأنْصَارِيّ: كتبت هَذَا الحَدِيث عَن سَبْعمِائة نفر من أَصْحَاب يَحْيَى بن سعيد.
أخرجه الْأَئِمَّة: أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِدْرِيس فِي مُخْتَصر الْبُوَيْطِيّ، وَأحمد بن حَنْبَل فِي مُسْنده، وَأَبُو عبد الله البُخَارِيّ فِي صَحِيحه فِي سَبْعَة مَوَاضِع مِنْهُ، فَرَوَاهُ فِي أول كِتَابه، ثمَّ فِي الْإِيمَان، ثمَّ فِي الْعتْق، ثمَّ فِي الْهِجْرَة، ثمَّ فِي النِّكَاح، ثمَّ فِي النذور، ثمَّ فِي ترك الْحِيَل.
وَرَوَاهُ مُسلم فِي كتاب الْجِهَاد من طرق عدَّة. وَأخرجه أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة، أَبُو دَاوُد فِي سنَنه فِي الطَّلَاق، وَأَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ فِي جامعه فِي الْحُدُود، وَأَبُو عبد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ فِي الْإِيمَان وَالطَّهَارَة وَالرَّقَائِق وَالطَّلَاق، وَأَبُو عبد الله بن مَاجَه الْقزْوِينِي فِي سنَنه فِي الزّهْد، ثمَّ أَبُو الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ، وَأَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنَيْهِمَا، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه، وَلم يبْق من أَصْحَاب الْكتب الْمُعْتَمد عَلَيْهَا من لم يُخرجهُ سُوَى مَالك فَإِنَّهُ لم يُخرجهُ فِي الْمُوَطَّأ، نعم رَوَاهُ خَارِجهَا كَمَا سَيَأْتِي بَيَان طَرِيقه.
وَأخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث مَالك. وَلَفظ روايتهم: عَن عمر بن الْخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّات وَإنِّمَا لكل اِمْرِئٍ مَا نَوى. فَمن كَانَت هجرتهُ إِلَى الله وَرَسُوله فَهجرَته إِلَى الله وَرَسُوله، وَمن كَانَت هجرته لدُنْيَا يُصِيبهَا أَو امْرَأَة ينْكِحهَا فَهجرَته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ». وَلَفظ مُسلم: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّة وَإنِّمَا لاِمْرِئٍ مَا نَوى»، الحَدِيث. وللبخاري: «العَمَلُ بِالنِّيَّةِ». وَله: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، كَمَا سبق. وَله: «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّة». وَله: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّة»، كَلَفْظِ مُسلم. وَله: «يَا أَيُّهَا النَّاسِ إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّة».
وَأما الَّذِي وَقع فِي أول كتاب الشهَاب للقضاعي: «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّات»، فَجمع الْأَعْمَال والنيات، وَحذف «إِنَّمَا». فَنقل النَّوَوِيّ فِي كِتَابه الْمُسَمَّى ببستان العارفين وإملائه عَلَى هَذَا الحَدِيث وَلم يكملهما، عَن الْحَافِظ أبي مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ أَنه قَالَ: لَا يَصح إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث، وَأقرهُ عَلَيْهِ. وَفِيمَا قَالَه نظر، فقد أخرجه كَذَلِك حَافِظَانِ وَحكما بِصِحَّتِهِ.
أَحدهمَا: أَبُو حَاتِم بن حبَان فَإِنَّهُ أوردهُ فِي صَحِيحه عَن عَلّي بن مُحَمَّد القبابي، ثَنَا عبد الله بن هَاشم الطوسي، حَدَّثَنَا يَحْيَى بن سعيد الْقطَّان، ثَنَا يَحْيَى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ، عَن عَلْقَمَة بن وَقاص، عَن عمر بن الْخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّات»، الحَدِيث بِطُولِهِ.
الثَّانِي: الْحَاكِم أَبُو عبد الله فَإِنَّهُ أوردهُ فِي كتاب الْأَرْبَعين فِي شعار أهل الحَدِيث، عَن أبي بكر بن خُزَيْمَة، ثَنَا أَبُو مُسلم، ثَنَا القعْنبِي، ثَنَا مَالك، عَن يَحْيَى بن سعيد، كَمَا ذكره ابْن حبَان سَوَاء ثمَّ حكم بِصِحَّتِهِ.
وَرَوَاهُ ابْن الْجَارُود فِي المُنْتَقَى، بِلَفْظ آخر وَهُوَ: «إِنَّ الأَعْمَال بِالنِّيَّة وَإنَّ لِكُلِّ اِمْرِئٍ مَا نَوى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهجرَته إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ اِمْرَأةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلىَ مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ».
تَنْبِيهَات مهمة: أَحدهَا: هَذَا الحَدِيث قد رَوَاهُ عَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم غير عمر بن الْخطاب من الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم نَحْو عشْرين صحابيًا، وَإِن كَانَ الْبَزَّار قَالَ: لَا نعلم يروي هَذَا الْكَلَام إلاَّ عَن عمر بن الْخطاب عَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بِهَذَا الإِسناد. وَكَذَا ابْن السكن فِي كِتَابه الْمُسَمَّى بالسّنَن الصِّحَاح، حَيْثُ قَالَ: وَلم يروه عَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم بِإِسْنَاد غير عمر بن الْخطاب.
ذكر الْحَافِظ أَبُو يعْلى الْقزْوِينِي فِي كِتَابه الإِرشاد من رِوَايَة مَالك، عَن زيد بن أسلم، عَن عَطاء بن يسَار، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه عَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ»، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث غير مَحْفُوظ عَن زيد بن أسلم بِوَجْه، فَهَذَا مِمَّا أَخطَأ فِيهِ الثِّقَة عَن الثِّقَة.
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي أَحَادِيث مَالك الَّتِي لَيست فِي الْمُوَطَّأ وَلَفظه: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ اِمْرِئٍ مَا نَوى»، إِلَى آخِره. ثمَّ قَالَ:
تفرد بِهِ عبد الْمجِيد عَن مَالك وَلَا نعلم حدَّث بِهِ عَن عبد الْمجِيد غير نوح بن حبيب وَإِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد العتيقي.
وَقَالَ ابْن مَنْدَه الْحَافِظ فِي جمعه لطرق هَذَا الحَدِيث: رَوَاهُ عَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم غير عمر: سعد بن أبي وَقاص، وَعلي بن أبي طَالب، وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، وَعبد الله بن مَسْعُود، وَعبد الله بن عمر، وَأنس، وَابْن عَبَّاس، وَمُعَاوِيَة، وَأَبُو هُرَيْرَة، وَعبادَة بن الصَّامِت، وَعتبَة بن عبد السّلمِيّ، وهلال بن سُوَيْد، وَعقبَة بن عَامر، وَجَابِر بن عبد الله، وَأَبُو ذَر، وَعتبَة بن النُّدَّر، وَعقبَة بن مُسلم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
قُلْتُ: وَله شَاهِدَانِ أَيْضا صَحِيحَانِ: حَدِيث: «وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنَيِةٌ»؛ وَحَدِيث: «يُبْعَثُونَ عَلَى نِيِّاتِهِم».
الثَّانِي: هَذَا الحَدِيث فَرد غَرِيب باعتبارٍ، مَشْهُور باعتبارٍ آخر وَلَيْسَ بمتواتر، بِخِلَاف مَا يَظُنّهُ بعض النَّاس، فإنَّ مَدَاره عَلَى يَحْيَى بن سعيد الْأنْصَارِيّ كَمَا سلف.
قَالَ الْحفاظ: لَا يَصح هَذَا الحَدِيث عَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم إلاَّ من جِهَة عمر بن الْخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وَلَا عَن عمر إلاَّ من جِهَة عَلْقَمَة، وَلَا عَن عَلْقَمَة إلاَّ من جِهَة مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ، وَلَا عَن مُحَمَّد إِلَّا من جِهَة يَحْيَى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَعَن يَحْيَى اشْتهر، فَرَوَاهُ جماعات لَا يُحصونَ فَوق الْمِائَتَيْنِ كَمَا أسلفته، وَأَكْثَرهم أَئِمَّة معروفون. نَبَّه عَلَى ذَلِكَ النَّوَوِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: وَإِنَّمَا ذكرت هَذَا لِأَنَّهُ قد يخْفَى عَلَى بعض من لَا يعاني الحَدِيث، فيتوهم أَنه متواتر لشدَّة شهرته وَعدم مَعْرفَته بفقد شَرط التَّوَاتُر فِي أَوله.
قُلْتُ: وَقد توبع عَلْقَمَة والتيمي وَيَحْيَى بن سعيد عَلَى روايتهم. قَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله بن مَنْدَه: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ عَن عمر غير عَلْقَمَة: ابْنه عبد الله، وَجَابِر، وَأَبُو جُحَيْفَة، وَعبد الله بن عَامر بن ربيعَة، وَذُو الكلاع، وَعَطَاء بن يسَار، ونَاشِرَة بن سمي، وواصل بن عَمْرو الجذامي، وَمُحَمّد بن الْمُنْكَدر. وَرَوَاهُ عَن عَلْقَمَة غير التَّيْمِيّ: سعيد بن الْمسيب، وَنَافِع مولَى ابْن عمر. وتابع يَحْيَى بن سعيد عَلَى رِوَايَته عَن التَّيْمِيّ مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَلْقَمَة أَبُو الْحسن اللَّيْثِيّ، وَدَاوُد بن أبي الْفُرَات، وَمُحَمّد بن إِسْحَاق بن يسَار، وحجاج بن أَرْطَاة وَغَيرهم.
الثَّالِث: هَذَا الحَدِيث اسْتحبَّ الْعلمَاء أَن تستفتح بِهِ المصنفات وَمِمَّنْ ابْتَدَأَ بِهِ: إِمَام الحَدِيث بِلَا مدافعة أَبُو عبد الله البُخَارِيّ فِي صَحِيحه وَنقل جماعات من السّلف أَنهم كَانُوا يستحبون افْتِتَاح الْكتب بِهَذَا الحَدِيث تَنْبِيها للطَّالِب عَلَى تَصْحِيح النِّيَّة. وَقَالَ الإِمام أَبُو سعيد عبد الرَّحْمَن بن مهْدي: من أَرَادَ أَن يصنف كتابا فليبدأ بِهَذَا الحَدِيث، وَقَالَ: لَو صنفت كتابا لبدأت فِي كل بَاب مِنْهُ بِهَذَا الحَدِيث.
وَقَالَ الْخطابِيّ: كَانَ المتقدمون من شُيُوخنَا يستحبون تَقْدِيم هَذَا الحَدِيث أَمَام كل شَيْء يُنشأ ويُبتدأ من أُمُور الدَّين لعُمُوم الْحَاجة إِلَيْهِ فِي جَمِيع أَنْوَاعهَا.
الرَّابِع: هَذَا الحَدِيث أحد الْأَحَادِيث الَّتِي عَلَيْهَا مدَار الإِسلام، وَقد اخْتلف فِي عَدِّها. فَقيل ثَلَاثَة: هَذَا الحَدِيث وَحَدِيث «مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يعْنِيهِ»، وَحَدِيث «الْحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ».
قَالَ الْحَافِظ حَمْزَة بن مُحَمَّد الْكِنَانِي: سَمِعت أهل الْعلم يَقُولُونَ:
هَذِه الثَّلَاثَة أَحَادِيث هِيَ الإِسلام. وكل حَدِيث مِنْهَا ثلث الإِسلام، وَقيل أَرْبَعَة قَالَه أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَغَيرهمَا، بِزِيَادَة حَدِيث: «ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبكَ اللهُ». وَقيل اثْنَان، وَقيل وَاحِد.
وَقَالَ أَبُو بكر الْخفاف من قدماء أَصْحَابنَا: رُوِيَ عَن الشَّافِعِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قَالَ: مدَار الإِسلام عَلَى أَرْبَعمِائَة حَدِيث. ثمَّ نقل عَن ابْن الْمَدِينِيّ وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي أَن مَدَاره عَلَى أَرْبَعَة أَحَادِيث «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، و«لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَث»، و«بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ»، و«البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ».
ثمَّ نقل عَن إِسْحَاق أَنه قَالَ: مَدَاره عَلَى ثَلَاثَة: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّات»، وَحَدِيث عَائِشَة: «مَنْ أَدْخَلَ فِي أَمْرِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهْوَ رَدٌّ»، وَحَدِيث النُّعْمَان: «الحَلاَل بَيِّنٌ». نقلت ذَلِكَ كُله من كتاب: الْأَقْسَام والخصال، وَلم أرَ لغيره تعرضًا لذَلِك، فاستفده.
قَالَ الشَّافِعِي: يدْخل هَذَا الحَدِيث- أَعنِي حَدِيث إِنَّمَا الْأَعْمَال بالنيَّات- فِي سبعين بَابا من الْفِقْه. وَقَالَ أَيْضا: هُوَ ثلث الْعلم.
وَكَذَا قَالَه الإِمام أَحْمد وَغَيره.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: سَببه أَن كسب العَبْد بِقَلْبِه وَلسَانه وجوارحه، فالنية أحد أقسامها الثَّلَاثَة وأرجحها لِأَنَّهَا تكون عبَادَة بانفرادها بِخِلَاف الْقسمَيْنِ الْأَخيرينِ. وَلِهَذَا كَانَ نِيَّة الْمُؤمن خير من عمله، وَلِأَن القَوْل وَالْعَمَل يدخلهما الْفساد بالرياء، بِخِلَاف النِّيَّة.
وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي: يدْخل هَذَا الحَدِيث فِي ثَلَاثِينَ بَابا من الإِرادات والنيات.
وَقَالَ عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ: أُمَّهَات الحَدِيث أَرْبَعَة، هَذَا أَحدهَا.
وَقَالَ أَبُو عبيد: لَيْسَ من أَخْبَار النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم حَدِيث أجمع وَأكْثر فَائِدَة وأبلغ من هَذَا الحَدِيث.
الْخَامِس: لَفْظَة «إِنَّمَا» مَوْضُوعَة للحصر تثبت الْمَذْكُور وتنفي مَا سواهُ، هَذَا مَذْهَب الْجُمْهُور من أهل اللُّغَة وَالْأُصُول وَغَيرهم.
قَالَ الْعلمَاء: وَالْمرَاد بِالْحَدِيثِ أَنه لَا يكون الْعَمَل شَرْعِيًّا يتَعَلَّق بِهِ عِقَاب، وَلَا ثَوَاب إلاَّ بِالنِّيَّةِ.
قَالَ الْخطابِيّ: وَأفَاد قَوْله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: «وإِنَّمَا لِكُلِّ اِمْرِئٍ مَا نَوى»، فَائِدَة لم تحصل بقوله: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَهِي: أَن تعْيين الْعِبَادَة المنوية شرطٌ لصحتها.
وَقَالَ غَيره: مَعْنَى الحَدِيث: لَا يَصح عمل من غير نِيَّة، فَإِن صورته تُوجد من غير نِيَّة. فنفى الحكم وأكده بقوله: «وَإنِّمَا لاِمْرِئٍ مَا نَوى».
السَّادِس: أصل الْهِجْرَة التّرْك. وَالْمرَاد بهَا ترك الوطن والانتقال إِلَى غَيره. وَهَذَا الحَدِيث ورد عَلَى سَبَب. وَهُوَ أَن امْرَأَة كَانَت بِالْمَدِينَةِ يُقَال لَهَا أم قيس. وَيُقَال أَن اسْمهَا قيلة، فَهَاجَرَ بَعضهم إِلَى الْمَدِينَة بنية التَّزَوُّج بهَا، فَقَالَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ذَلِكَ، فَسُمي مهَاجر أم قيس.
السَّابِع: قَوْله- عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ-: «إِلَى دُنْيَا» هُوَ مَقْصُور غير منون عَلَى الْمَشْهُور، وَيجوز فِي لُغَة غَرِيبَة تنوينها. وَفِي حَقِيقَة الدُّنْيَا قَولَانِ لِأَصْحَابِنَا الْمُتَكَلِّمين:
أَحدهمَا: مَا عَلَى الأَرْض مَعَ الْهَوَاء والجو.
وَالثَّانِي: كل الْمَخْلُوقَات من الْجَوَاهِر والأعراض الْمَوْجُودَة قبل الدَّار الْآخِرَة. وَهَذَا هُوَ الْأَظْهر.
هَاهُنَا سُؤال مَشْهُور، وَهُوَ: كَيفَ ذكرت الْمَرْأَة مَعَ الدُّنْيَا مَعَ أَنَّهَا دَاخِلَة فِيهَا؟ وَالْجَوَاب عَنهُ من أوجه:
أَحدهَا: أَنه لَا يلْزم دُخُولهَا فِي هَذِه الصِّيغَة؛ لِأَن لَفْظَة دنيا نكرَة وَهِي لَا تعم فِي الْإِثْبَات، فَلَا يلْزم دُخُول الْمَرْأَة فِيهَا.
الثَّانِي: أَن هَذَا الحَدِيث قد ورد عَلَى سَبَب كَمَا مر فَذكرت الْمَرْأَة لأجل تَبْيِين السَّبَب.
الثَّالِث: أَنه للتّنْبِيه عَلَى زِيَادَة التحذير من الْمَرْأَة، وَقد جَاءَ ذكر الْخَاص بعد الْعَام تَنْبِيها عَلَى مزيته فِي عدَّة آيَات من الْقُرْآن.
مِنْهَا قَوْله- تَعَالَى-: {حَافظُوا عَلَى الصَّلَوَات وَالصَّلَاة الْوُسْطَى}.
وَمِنْهَا قَوْله- تَعَالَى-: {وَإِذ أَخذنَا من النَّبِيين ميثاقهم ومنك وَمن نوح} الْآيَة.
وَمِنْهَا قَوْله- تَعَالَى-: {من كَانَ عدوا لله وَمَلَائِكَته وَرُسُله}.
وَلَيْسَ من هَذَا قَوْله- تَعَالَى-: {فيهمَا فَاكِهَة ونخل ورمان} وَإِن كَانَ بعض النَّاس يغلط فيعده مِنْهُ، لِأَنَّهُ نكرَة فِي سِيَاق الإِثبات، فَلَا عُمُوم فِيهَا، فَلَا يلْزم أَن يكون النّخل وَالرُّمَّان داخلين فِي الْفَاكِهَة. لَكِن قد يُقَال إِنَّهَا ذكرت فِي معرض الْمِنَّة فَيعم.
وَقد جَاءَ أَيْضا فِي الْقُرْآن عكس هَذَا، وَهُوَ ذكر الْعَام بعد الْخَاص. كَقَوْلِه تَعَالَى إِخْبَارًا عَن إِبْرَاهِيم- عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ-: {رَبنَا اغْفِر لي ولوالدي وَلِلْمُؤْمنِينَ}.
وَقَوله- تَعَالَى- إِخْبَارًا عَن نوح: {رب اغْفِر لي ولوالدي وَلمن دخل بَيْتِي مُؤمنا وَلِلْمُؤْمنِينَ}.
فَهَذِهِ أحرف مختصرة من الْكَلَام عَلَى هَذَا الحَدِيث وَقد نبهنا بِمَا ذكرنَا عَلَى مَا أهملنا، وَلَوْلَا خوف الإِطالة وَخُرُوج الْكتاب عَن مَوْضُوعه لذكرنا هُنَا نفائس، وَهَذَا الْقدر فِي هَذَا التصنيف كافٍ- إِن شَاءَ الله- وَقد أوضحته أحسن إِيضَاح فِي كتابي الْمُسَمَّى ب الإِعلام بفوائد عُمْدَة الْأَحْكَام، وَهُوَ كتاب جليل أعَان الله عَلَى إكماله وَقد فعل، وَكَذَا فِي شرح البُخَارِيّ أعَان الله عَلَى إكماله وَقد فعل.